ابن الأثير
194
الكامل في التاريخ
وسبب ذلك أنّ صقلّيّة كان الأمير عليها سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة أبا الفتوح يوسف بن عبد اللَّه بن محمّد بن أبي الحسين ، ولّاه عليها العزيز العلويّ ، صاحب مصر وإفريقية ، فأصابه هذه السنة فالج ، فتعطّل جانبه الأيسر ، وضعف الجانب الأيمن ، فاستناب ابنه جعفرا ، فبقي كذلك ضابطا للبلاد ، حسن السيرة في أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة ، فخالف عليه أخوه عليّ ، وأعانه جمع من البربر والعبيد ، فأخرج إليه أخوه جعفر جندا من المدينة ، فاقتتلوا سابع شعبان ، وقتل من البربر والعبيد خلق كثير ، وهرب من بقي منهم وأخذ عليّ أسيرا ، فقتله أخوه جعفر ، وعظم قتله على أبيه ، فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيّام . وأمر جعفر حينئذ أن ينفى كلّ بربريّ بالجزيرة ، فنفوا إلى إفريقية ، وأمر بقتل العبيد ، فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلّهم من أهل صقلّيّة . فقلّ « 1 » العسكر بالجزيرة ، وطمع أهل الجزيرة في الأمراء ، فلم يمض إلّا يسير حتّى ثار به أهل صقلّيّة ، وأخرجوه ، وخلعوه ، وأرادوا قتله . وسبب ذلك أنّه ولّى عليهم إنسانا صادرهم ، وأخذ الأعشار من غلّاتهم ، واستخفّ بقوادهم وشيوخ البلد ، وقهر جعفر إخوته ، واستطال عليهم ، فلم يشعر إلّا وقد زحف إليه أهل البلد كبيرهم وصغيرهم ، فحصروه في قصره في المحرّم « 2 » سنة عشر وأربعمائة ، وأشرفوا على أخذه ، فخرج إليهم أبوه يوسف في محفّة ، وكانوا له محبّين ، فلطف بهم ورفق ، فبكوا رحمة له من مرضه ، وذكروا له ما أحدث ابنه عليهم ، وطلبوا أن يستعمل ابنه أحمد المعروف بالأكحل ، ففعل ذلك . وخاف يوسف على ابنه جعفر منهم ، فسيّره في مركب إلى مصر ، وسار أبوه يوسف بعده ، ومعهما من الأموال ستّمائة ألف دينار وسبعون ألفا ، وكان ليوسف من الدوابّ ثلاثة عشر ألف حجرة ، سوى البغال وغيرها ،
--> ( 1 ) فضعف فقتل . a ( 2 ) . p . c